Thursday, December 28, 2017

0 comments

الصحفي القدير محمد سالم بشرايا يؤكد أن ”الإعلام حقٌ لكافة الجماهير وليس امتيازا لفئة بعينها”.

صحفي من طينة الكبار، من بين الذين أسهموا في تأسيس مؤسسة الإذاعة الوطنية وإرساء دعائمها الصلبة، ترك بصماته في الحقل الإعلامي بادية وجلية من خلال برنامجه “الصحراء ما تنباع” الذي لازال حيا حتى الآن. سعينا إلى لقائه فرحب بنا أيما ترحيب، وحدثنا مطولا عن تجربته الصحفية ورأيه حول راهن الاعلام الصحراوي.

حاوره: الدد محمد محمدنا

ـ تعتبرون من دون أدنى شك من الجيل المؤسس لمؤسسة الإذاعة الوطنية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، كما أنكم تعتبرون من بين الصحفيين الأوائل والقلائل الذين حملوا مشعل المهنة وتحملوا مشاق المخاض والتأسيس، بداية هل يمكنكم ان تحدثونا عن إرهاصات اهتمامكم بالعمل الصحفي وانخراطكم في هذا الميدان بشكل عام؟

محمد سالم بشرايا (الدكتور):
في البداية دعني أصحح بعض المعلومات التي وردت في سؤالكم، ولكي أكون دقيقا في المعلومات التي ستكون بين أيدي القراء الكرام لا بد من الاعتراف بأنني لم أكن لحظة انخراطي بالعمل الإذاعي صحفيا بالمفهوم الأكاديمي للعبارة شأني في ذلك شأن المجموعة التي تحملت مسؤولية ومشاق ولادة الإذاعة الوطنية في الثامن والعشرين ديسمبر عام 1975م.
أما فيما يخصني، فقد التحقت بالطاقم المؤسس للإذاعة الوطنية في أواخر شهر يناير من سنة 1976م نظرا لحاجة المؤسسة الوليدة إلى محرر يجيد إلى حد ما اللغتين العربية والاسبانية، لهذا تم إلحاقي بالإذاعة واعفيت من مهامي كمسؤول عن قطاع التعليم في النواة الأولى للإدارة الوطنية الصحراوية التي تأسست قبل ذلك في نوفمبر 1975م.
في هذا السياق أتذكّر أن اهتمامات الأمانة العامة للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب وخاصة أمينها العام الشهيد الولي مصطفى السيد رحمه الله كانت منكبّة على تأسيس جهاز اعلامي قوي ينقل صوت الشعب الصحراوي إلى الرأي العام ويعكس واقعه بما فيه من معارك ضد الاحتلال الآتي من الشمال والجنوب، وما يشيده هذا الشعب من مؤسسات تحل محل الإدارة الاستعمارية التي انسحبت بصفة فوضوية.
وأتذكر كذلك أنه إلى جانب برنامج الساقية والوادي على طريق الحرية الذي يبث من ليبيا، وإذاعة صوت الصحراء الحرة التي بدأت البث من الجزائر في نوفمبر 1975م، كان الاهتمام منكبا على تأسيس إذاعة ميدانية بالقرب من الجماهير وعلى احتكاك مباشر ودائم بها رغم ما كان يعترض ذلك من عوائق لاحصر لها الا أن المحنة تلد الهمّة، فبالشكل الذي أمسى به جيش التحرير الشعبي الصحراوي والمجلس الوطني الصحراوي المؤقت والنواة الأولى للإدارة الوطنية بما فيها من قطاعات تدير شؤون التعليم والصحة وإغاثة اللاجئين وغيرها تأسست الإذاعة الوطنية.

ـ الحديث عن البدايات يقودنا إلى النفاذ إلى التاريخ، وتحديدا إلى زمان ومكان تأسيس صوت يعبر عن آمال وتطلعات الصحراويين من جهة، وسلاح قوي في يد الثورة في مواجهة دعاية العدو ومغالطاته من جهة أخرى. ماذا لو تعودون بنا بالتفصيل إلى ظروف وأيام تأسيس الإذاعة الوطنية؟ وكيف استطاعت الإذاعة الوطنية تقنيا، وكغيرها من الوسائط الإعلامية الصحراوية من مجلات ونشريات، وبإمكانيات بسيطة ومحدودة ومتنقلة في الكثير من الأحيان أن تخترق حاجز التعتيم والعزلةَ، وماهي الوسائل المادية التي كنتم تعتمدون عليها؟

محمد سالم بشرايا (الدكتور):
الثامن والعشرون من ديسمبر 1975م تاريخ بث أول إشارة صوتية للإذاعة الوطنية يعود بنا إلى العديد من الأحداث والتحديات الصعبة التي لا يتسع المجال للإحاطة بها كاملة، مواجهات عسكرية شرسة في جبهات القتال، لملمة أشياء ضحايا قنبلة الطيران في أكثر من مكان من الأراضي المحررة، وقوافل لإغاثة اللاجئين الفارين من كبريات المدن طلبا للنجاة والبحث عن أماكن لتأمين حياتهم وتنظيمها .. في هذا الخضم المتراكم نشأت الإذاعة الوطنية، وكان لزاما على الطاقم المؤسس أن يبدل قصارى الجهود ليعوضوا انعدام الخبرة والكفاءات الأكاديمية بالإرادة والتصميم ومحدودية العدد بالعمل المتواصل ليل نهار.
أود الإشارة هنا بنوع من التفصيل إلى أن الإذاعة الوطنية إنطلقت بوسائل بسيطة ومعقدة بالنسبة لمن لاتجربة لهم في الميدان مثلنا آنذاك، كنا نمتلك مهندسي صوت سبق لهما أن عملا لفترات قصيرة في إذاعة الإدارة الاستعمارية في العيون وهما النعمة ولد زين الدين وسيد احمد محمد ، أما هيئة التحرير والمذيعين التي لايتعدى عددها خمسة أفراد لم يوجد من بينها من له خبرة في ميدان التحرير والإلقاء لأن معظمهم من المعلمين والطلبة الذين لم يكملوا دراستهم في الجامعات والثانويات.
محطة الإرسال لا تتعدى قوتها اربعة كيلو واط محمولة على متن شاحنة، والمولد الكهربائي الذي يغذيها محمول على متن أخرى، وآلات التسجيل لا تتعدى الثلاث أو الاثنتين وأخرى ثابتة في جهاز البث. أما الأشرطة المحدودة وأستوديو التسجيل وقاعة التحرير فهي كماليات كانت معدومة منذ البداية.
بهذه الوسائل البسيطة بدأنا بعد أن توقفنا مطولا عند كيفية وضع لحن مميز للإذاعة الوطنية، حيث أن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لم يُعلن عنها بعد، أما إذاعة صوت الصحراء الحرة فقد اختارت لنفسها لحنا يجعلها ناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وبعد النظر في جملة من الاقتراحات اتفقنا بالاجماع على أن يبدأ اللحن المميز بنشيد عربي معروف تقول بعض كلماته:

أحنا بينّا وبينك أكبر ثار
نار نار يا استعمار

وبقي هذا اللحن مميزا إلى غاية إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية أين تحوّل إلى لحن يحمل إسم الدولة.
هكذا كانت البداية بهذه الوسائل البسيطة التي نمت شيئا فشيئا إلى أن اصبحت مؤسسة إذاعية بكل تجهيزاتها وتقنياتها المعقدة وطاقمها المختص في ميادين الصحافة والهندسة والتصوير.
وفي سنة 1978م إستُبدل جهاز الإرسال بآخر جديد بقوة مائة كيلو واط واصبح البث على الموجتين المتوسطة والقصيرة، وشيدت استوديوهات وقاعات للتحرير ملائمة للإنتاج إلى حد ما. وكخلاصة لكل ذلك لا بد من القول بأن الإذاعة الوطنية بدأت من لا شيء شأنها شأن بقية مؤسسات الدولة الصحراوية الا أنها حققت الكثير الكثير على طريق الوصول إلى الهدف والمرمى.
فيما يخص الشق الثاني من سؤالكم فيمكن القول بأن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب منذ تأسيسها في العاشر من ماي سنة 1973م أولت اهتماما بالغا بالإعلام، فأسست لجنة للإعلام أنيطت بها مهام الإشراف على مجلة 20 ماي اللسان المركزي للجبهة الشعبية، والتي كانت تصدر بثلاث لغات هي العربية والاسبانية والفرنسية حتى يتمكن أكبر قدر ممكن من القراء من الإطلاع على محتوياتها التي كانت تعكس فكر الثورة الصحراوية ومواقفها تجاه العديد من القضايا، بالإضافة إلى مجلة “الشعب” و”الدشيرة” و”كفاح الجنوب”، فهذه النشريات الثلاث الأخيرة كانت من إنجاز فروع التنظيم السياسي في مواقع مختلفة للتخفيف من العزلة التي فرضها الاستعمار الإسباني في ذلك الوقت، وفي سنة 1974م برزت إذاعة الساقية والوادي على طريق الحرية التي كانت تبث لمدة نصف ساعة يوميا من الجماهيرية العربية الليبية.
وفي شهر نوفمبر 1975م تعززت الوسائط الإعلامية بإذاعة صوت الصحراء الحرة التي تبث من الجزائر لمدة ساعة كاملة، وجريدة الصحراء الحرة ورأي الجماهير والمجلات الناطقة بلسان المنظمات الجماهيرية.
كل هذه الوسائط لعبت دورا لا يستهان به في فك العزلة التي كانت مفروضة على الشعب الصحراوي وعكست إلى حد ما كفاحه المستميت من أجل الاستقلال الوطني ضد المستعمر الاسباني أولاَ ثم ضد الغزوين المغربي والموريتاني بعد ذلك.

ـ هل يمكنكم أن تحدثونا عن الجيل الذي ساهم في إرساء أسس وركائز المؤسسة الإعلامية الصحراوية؟ وماهي المنهجية العملية التي كانت متبعة في العمل الإذاعي بشكل خاص والاعلامي بشكل عام؟

محمد سالم بشرايا (الدكتور):
الانضباط والانصياع لأوامر التنظيم كانت من بين السمات التي تطبع سلك المناضلين في ذلك الوقت، فلم يكن الذين انخرطوا في العمل الإعلامي منذ البداية مؤهلين له ولا حتى باختيار منهم ، بل نتيجة لظروف أملتها الحاجة والضرورة لشدّ أزر العاملين في مجالات القتال والديبلوماسية وغيرها.
تصوّر أن من بين هذا الجيل من لم يحالفه الحظ في إتمام دراسته الجامعية، وكان من بينهم طلبة الثانويات وطلبة الشعب العلمية التي لاعلاقة لها بالصحافة، لكن الظروف والممارسة صنعت منهم على مرّ الأيام متمرسين أكفّاء، وفي هذا السياق أذكر على سبيل المثال لا الحصر الشهيد محمد فاضل اسماعيل والحاج أحمد والبخاري أحمد ولحريطاني لحسن والشهيد أحمد محمود ايسلمو ومحمد لمين نفعي وعيبد ألمين ، كل هؤلاء هم خريجو مدارس الإعلام الصحراوية، كما أنهم تحملوا المسؤولية إلى غاية منتصف الثمانينيات أين بدأت أولى أفواج الجامعيين تلتحق بهم لتعزز صفوفهم، فأول صحفي جامعي يتم تكوينه هو السالك مفتاح بجامعة غاريونس بليبيا ثم علي المختار وحميدي فاك الله وبلاهي لخليفة من جامعة سانتياغو بكوبا، ومنذ ذلك الوقت إلى الآن أصبح الصحفيون والمهندسون يعدّون بالعشرات.
أما فيما يخص المنهجية التي كنّا نتبعها، فكنا ننطلق من فكرة نراها جوهرية وهي أن الإعلام حقٌ لكافة المستمعين وليس امتيازا لفئة بعينها، لذا كان من الواجب تبسيط الرسالة الاعلامية لتكون في متناول الكل، من المثقف إلى الأمي ومن الكبير إلى الصغير، ضف إلى ذلك سعينا الدؤوب إلى خدمة مباديء وأهداف ثورة العشرين ماي الرامية إلى محو مخلفات سياسة الاستعمار وما رافقها من تشريد وقهر للشعب الصحراوي.
الإلتزام بصدق والموضوعية للحفاظ على مصداقية وسائطنا الإعلامية شكّل جانبا آخرا من المنهجية التي كانت متّبعة ناهيك عن المراجعة والتقييم المستمر ورسم الأهداف الخاصة بكل مرحلة.

ـ من البرامج الإذاعية الناجحة والقوية الحضور والتأثير برنامج “الصحراء ما تنباع”، وقد كانت ولادة هذا البرنامج على أيديكم وبصوتكم، فما السر في نجاح برنامج من مثل هذا القبيل؟ وماهي المعايير الصحفية والفنية اللازمة لانجاح برنامج إذاعي ما؟

محمد سالم بشرايا (الدكتور):
برنامج “الصحراء ما تنباع” ولد إبّان زيارة البعثة الأممية لتقصي الحقائق سنة 1987م، وقد اخترتُ لهذا البرنامج لحناً مميزاً وهو أغنية “الصحرا ما تنباع”، فأطلق عليه الجمهور إسم “برنامج الصحراء ماتنباع” الذي عرف به فيما بعد.
وقد تم إنجاز هذا البرنامج بناءاً على دراسة ومسح ميدانيين لواقع الجماهير الصحراوية باللأراضي المحتلة من الصحراء الغربية ومناطق آسا وواد نون وما تتعرض له جماهير شعبنا هناك من عزلة وانقطاع عن بقية أرجاء المعمورة.
كنا نمتلك بنكاً من المعلومات عن تلك المناطق بدءاً من لوائح المعتقلين والمفقودين ومروراً بأسماء وأصناف آلة الاحتلال المصلطة على جماهير شعبنا هناك، وانتهاءا بفواتير الماء والكهرباء وأثمان السكر والزيت والدقيق، وفوق كل ذلك كنتُ أعيش في خلدي معاناة هؤلاء بكل وجداني، كما أنني كنت من الفريق الاعلامي المتخصص في شؤون المناطق المحتلة والمغرب.
وقد إعتمدت في البرنامج على لغة سهلة وميسرة، وغاية ذلك أن تصبح في متناول كافة الجمهور الموجهة إليه، فاستندت في ذلك على اللهجة الحسانية لكشف مؤامرات العدو من جهة، ولشرح مواقف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. ولأدعم الرسالة الاعلامية لهذا البرنامج كانت لي مقابلات مع شخصيات معروفة في الداخل ومشهود لها بالصدق من جهة أخرى.
فعلى العموم كنت انطلق من مبدأ أن الإعلام حق للجماهير وليس امتيازا لفئة بعينها كما أسلفت، ثم الحرصُ على الصدق للحفاظ على مصداقية البرنامج .
وفيصل القول أن هذه المباديء وغيرها هي التي تجعل من أية رسالة إعلامية ذات قيمة ومصداقية وتوّسع دائرة المتلقين لها لأنهم يرون فيها الجديد والمفيد في آن معاً بعيدا عن لغة الخشب والإطناب غير المبرر.

ـ منذ تأسيسها قطعت الإذاعة الوطنية أشواطا معتبرة لتصل إلى ماهي عليه الآن خاصة على المستوى التقني والفني . كيف تقيمون مسيرة المؤسسة الإعلامية الصحراوية بصورة عامة؟ وماهو رأيكم في التطور الذي شهدته؟ وهل نحن فعلا بحاجة إلى خلق وسائط إعلامية جديدة تواكب ماهو راهن ومؤثر؟

محمد سالم بشرايا (الدكتور):
يبدو لي وأنا خارج المؤسسة الإعلامية الآن بأن الإذاعة الوطنية قطعت أشواطاً لايستهان بها هذا إذا ما أخذنا بعين الإعتبار حالة البداية وظروف التأسيس .
لدينا الآن محطة بث وإرسال قوتها مائة وخمسون واطاً، وآليات تقنية حديثة من استوديوهات مجهزة وبناءات مشيدة، وصحفيون ومهندسون ومصورون تمّ تكوينهم في خضم حرب التحرير المظفرة ومن جيل واكب التطورات التي شهدها العالم في ميادين التكنولوجيا ووسائل الاتصال، أظن بل وأكاد أجزم بعد كل هذه المكاسب بأنه لا ينقصنا في المرحلة الراهنة شيءٌ عدا تفعيل القناةٌ التلفزية التي تعتبر مكملا لهذا الإنجاز العظيم.

ـ هل من رسالة تودون تمريرها عبر هذا اللقاء؟

محمد سالم بشرايا (الدكتور):
مما لاشك فيه أن صمود الشعب الصحراوي طيلة ثلاث وثلاثين سنة وتضحيات جماهير الانتفاضة في الداخل ، والإخلاص لزملائنا من شهداء المهنة والذين أذكر من بينهم أحمد محمود ايسلمو ومحمد فاضل اسماعيل وتقي الله آدوه وسيدي ولد عبد المالك وسعيد اعلي ومحمد بنة، في كل ذلك حافزٌ قوي ودافع لجيل الإعلاميين الجدد لخلق وإنتاج رسالة إعلامية في مستوى تضحيات هؤلاء وأولئك. وكل عام والشعب الصحراوي بألف خير.

نقلاً عن الزملاء بموقع نشطاء الإخبارية.



0 comments:

Best viewed on firefox 5+

Popular posts

Copyright © All Rights Reserved MulaySmara
Western Sahara updates